المحقق الأردبيلي

165

زبدة البيان في أحكام القرآن

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ( 1 ) . روي أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت ( 2 ) . النداء للبعيد المحتاج إلى رفع الصوت والمناجاة للقريب الذي لا يحتاج إلى ذلك والخطاب له صلى الله عليه وآله والتقدير فقل لهم إني قريب - وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد واطلاعه على أحوالهم - بحال من قرب مكانه منهم ، يعني إذا سألك عبادي - وفي هذه الإضافة تشريف لهم - عن كيفية أحوالي من جهة القرب والبعد فقل إني عليم أعلم دعاءكم ، ولو كان في غاية الخفاء كما يسمع القريب إذا قرب فمه إلى أذنه يناجيه ، بل أقرب من حبل الوريد ، فأقبل دعاء الداعي إذا دعاني ، ولعل " ذكر إذا دعان " للتحريص في الدعاء والترغيب في التكرار ، وتعريف الداعي إشارة إلى داع خاص وهو الذي يدعو متيقنا للإجابة ، ويطلب ماله فيه المصلحة ، لا المحرم ، ولا ما لا يليق بحاله وليس فيه المصلحة ، أو يكون إلى الجنس ، وبالجملة إن الله يعلم المصلحة ويستجيب معها ، ولا يستجيب بدونها ، ويعجل ويؤخر لذلك ولو لم يستجب يعوض ويثيب في الدنيا والآخرة فعلى تقدير عدم الإجابة لا ينبغي الترك واليأس ، فإن ذلك للمصلحة . فاندفع بما قررناه السؤال المشهور كما ذكره المفسرون أيضا . وبعد أن وعد بالإجابة والقبول قال : " فليستجيبوا لي " أي اقبلوا أنتم أيضا دعوتي إذا دعوتكم وأمرتكم بالطاعات والدعاء ، فاطلبوا واسألوا تضرعا وخفية لا بقلب ساه وغير متوجه ، ومتعقل لمعنى ما تقولون ، لا جهرا ورياء فإن الله لا يحب المعتدين واطلبوا ولا تستكبروا ولا تتركوا الدعاء استكبارا وتجبرا ، وعدم اعتقاد

--> ( 1 ) البقرة : 185 . ( 2 ) راجع الدر المنثور ج 1 ص 194 ، مجمع البيان ج 2 ص 278 .